
— «إنتي مُلزمة.»
كلمة “مُلزمة” نزلت زي
السّم في جو المطبخ. فجأة ندى ضحكت.. ضحكة حادة وجافة، مليانة احتقار. أحمد اتسمر مكانه، كان مستني عياط أو صراخ، مش سخرية.
— «إيه اللي بيضحك؟!» سألها بصوت خشن.
— «مُلزمة؟ أنا؟» ندى حطت المعلقة وبصتله بكل قوتها. «أحمد، إنت فقدت الذاكرة؟ ولا فاكرني أنا اللي نسيت؟ أفكرك أنا.. عيد ميلادك من ٣ سنين، والشقة مليانة ضيوف، وأمك رفعت الكاس وقالت قدام الكل: “يا أحمد يا ابني، إنت ورطت نفسك في الجوازة دي..
بس معلش، الرجالة بتغلط، المهم يعرفوا غلطهم في الوقت الصح.” فاكر؟»
أحمد بص في الأرض ووشه اتشنج.. طبعاً فاكر، فاكر السكوت اللي عمّ المكان ونظرات الشفقة من صحابه، وفاكر إنه يومها قال “ماما بتهزر” وغير الموضوع.. ما دافعش عنها.
— «يومها كنت أنا “الغلطة” اللي وقعت فيها»، كملت ندى بثبات. «ودلوقتي عشان تعبانة، بقيت فجأة “مُلزمة”؟ عايزني أمسح عشر سنين إهانات بكلمة؟»
قربت منه خطوة، وهو رجع لورا لا إراديًا.
— «أنا أوحش كنّة؟ خلاص، روح إنت اخدمها،
لإني مش هدخل هناك تاني!»— «ده مش حقيقي!»
— «الغبية، اللي ملهاش لازمة، اللي “سرقت” ابنها!
ده وصفها ليا قدامك! مستني إيه من “الكنّة الوحشة” دي؟ أبقى ملاك فجأة؟ مش هيحصل!»
كانت بتنهج، بس عينيها حاسمة. كل الوجع المكبوت انفجر.
— «واجبك إنت»، قالتها بهدوء أقوى من الزعيق، «أما واجبي أنا، فهو إني أحافظ على كرامتي، وماسمحش لحد يدوس عليا تاني.. لا هي.. ولا إنت.»
المطبخ بقى هسّ.. اللحمة في الطاسة بردت، وريحتها بقت تقيلة. أحمد بصلها كأنه بيشوفها لأول مرة.
— «فهمت..» قالها بسخرية. «الموضوع مش أمي، إنتي اللي قلبك حجر.. معندكيش أصل.»
سند على التربيزة وشبك إيده: «أمي كانت عايزالي الأحسن.. كانت بتتمنى ست تانية.. ألطف، بتهتم بالبيت وبالعيلة..
كانت هتروح تخدمها من غير تفكير عشان فاهمة يعني إيه عيلة.»
الكلمة كانت طــ,,ـــــعنة مهينة بيلغي بيها عشر سنين جواز. ندى رفعت راسها وبصتله ببرود تام:
— «طب ما اتجوزتهاش ليه؟ إيه
اللي منعك؟»
سكت ومردش، فغضبه انفجر أكتر: «تمام! طالما قلبك ميت كدة، أمي هتيجي تعيش هنا.. معايا.. في بيتي! سأذهب لإحضارها الآن، هتاخد أوضتنا، وإحنا هننام في الصالة.. وريني بقى هتعملي إيه!»
كان واثق إنه كسب الجولة دي.. بس هي ما عيطتش. بصتله بسكون غريب.
— «فكري كويس»، قالها وهو بيطلع موبايله. «قدامك دقيقة.»
اتصل بأمه قدامها: «أيوة يا ست الكل! أنا جاي آخدك تعيشي معانا.. أيوة دلوقتي.. ندى مشغولة شوية بس مش هقدر أسيبك لوحدك.»
قفل السكة وهو حاسس بالنصر: «خلاص، رايح أجيبها.»
في اللحظة دي ندى اتحركت..
راحت ناحية البوتاجاز، مسكت الطاسة، وبصت للأكل اللي كانت بتعمله ليهم هما الاتنين. وبكل هدوء، راحت عند الزبالة، فتحتها، ودلقت الأكل كله ببطء.
أحمد انذهل: «بتعملي إيه؟! ده نعمة ربنا!»
حطت الطاسة في الحوض، وبصت من الشباك وقالت بثبات:
— «العشاء انتهى.. ودلوقتي عندك ست تانية تهتم بيك..
اطلب منها تأكلك.»
أحمد وقف مكانه مذهول، باصص للطاسة الفاضية ولندى اللي ملامحها مفيهاش أي تراجع. سحب مفاتيحه من على الرخامة بعصبية وقال وهو خارج:
— «ماشي يا ندى..
خليكي كدة، بس لما أرجع ومعايا أمي، متلوميش غير نفسك!»
رزع الباب وراه لدرجة إن البيت كله اتهز. ندى متهزتش.. دخلت أوضتها، طلعت شنطة سفر كبيرة، وبدأت تحط فيها هدومها بهدوء غريب. مكنتش بتعيط، كانت كأنها بتنفذ خطة مترتبة في دماغها من سنين.
بعد ساعتين، الباب اتفتح. دخل أحمد وهو ساند والدته “أم أحمد” اللي كانت ماشية ببطء وبتتأوه بتمثيل واضح، وعينيها بتدور في الشقة بتدور على “الانتصار”.
— «نورتي بيتك يا ست الكل، ارتاحي هنا في الصالة ثانية واحدة عقبال ما أدخلك الأوضة.»
نادى بصوت عالي: «يا ندى! تعالي ساعدي أمي!»
محدش رد.
أحمد دخل الأوضة بغل وهو ناوي يزعق، بس وقف مكانه.. الأوضة كانت مترتبة بشكل يوجع، ودولاب ندى مفتوح وفاضي.
على السر,,ـــــير كان فيه ورقة صغيرة ومفتاح الشقة.
فتح الورقة لقى مكتوب فيها:
“بما إن البيت بقى بيت مامتك، والخدمة بقت واجب عليا مش فضل مني.. يبقى خليها هي اللي تخدمك وتطبخلك. أنا رُحت أعيش في المكان اللي كرامتي فيه أهم من قشرة اللحمة بتاعتك. ورقة طلاقي توصلي في خلال أسبوع، وإلا المحاكم هي اللي هتفصل بيننا.”
أحمد خرج الصالة وهو وشه مخطوف، لقى والدته قاعدة بتبص حولها وبتقول بلهجة سيطرة:
— «فين ندى يا أحمد؟
الشقة ريحتها زفارة واللحمة اللي في الزبالة دي تبذير.. قوم يا حبيبي اعملي كوباية شاي ونضف المطبخ ده عشان أعرف أقعد!»
أحمد بص لوالدته، وبعدين بص للباب اللي ندى خرجت منه وما رجعتش.. حس فجأة إن الحيطان بتضيق عليه، وإن البيت اللي كان فاكر إنه بيملكه، بقى فاضي وبارد.. وما بقاش فيه “ندى” اللي كانت شايلة عنه كل حاجة بكلمة حلوة.
تفتكروا ندى صح إنها سابت البيت في لحظة تعب حماتها؟ ولا كان لازم تستحمل عشان خاطر جوزها؟


